الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
398
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
الظن والقائل بحجية الظن الخاص لا يثبت بقوله إجماع مع مخالفة الباقين ولم يقم دليلا قاطعا عليه حتى يثبت به ذلك والقول بدلالة الأخبار القطعية عليه ممنوع أقصى الأمر دلالتها على حجية ذلك بالنسبة إلى المشافهين المخاطبين بتلك الخطابات ومن بمنزلتهم وحينئذ قد يقال بحصول العلم بالنسبة إليهم إذ لا يعد إذن في احتفافها إذن بالقرائن القاطعة ومع تسليم عدمه فغاية الأمر حجية الظن الحاصل بالنسبة إليهم إذ لا يعد إذن وذلك غير الظن الحاصل لنا للاحتياج إلى ضم ظنون عديدة لم تكن محتاجا إليها حينئذ ولا دليل على حجيتها عندنا إلا ما دل على حجيته مطلقا الظن قلت المناقشة فيما ذكرناه واهية إذ انعقاد الإجماع على وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة بالنسبة إلى زماننا هذا وما قبله من الأمور الواضحة الجلية مما يكاد يلحق بالضروريات الأولية وليس بناء الإيراد على إنكاره حيث إنه غير قابل للمنع والمنازعة ولذا نوقش فيه من جهة اختلاف المجمعين في المبنى فإن منهم من يقول به من جهة كونه من جزئيات ما يفيد الظن لا لخصوصية فيهما فلا يقوم إجماع على اعتبار الظن الحاصل منهما بخصوصه وفيه أنه بعد قيام الإجماع لا عبرة بالخلاف المذكور فيما نحن بصدده وليس المقصود دعوى الإجماع على وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة باعتبار خصوصيتهما بل المدعى قيام الإجماع بالخصوص على وجوب الرجوع إليهما ليكون الظن الحاصل منهما حجة ثابتة بالخصوص إذ لا حاجة إذن في إثبات حجيتهما إلى ملاحظة الدليل العقلي المذكور بل هو ثابت بالإجماع القطعي فيكون هو ظنا ثابتا بالدليل وليس يعني بالظن الخاص إلا ما يكون حجيته ثابتة بالخصوص لا ما يكون حجيته بحسب الواقع بملاحظة الخصوصية الحاصلة فيه لا من جهة عامة وهو واضح لا خفاء فيه فإذا ثبت حجية الظن الحاصل منهما في الجملة ووجوب العمل بهما وعدم سقوط ذلك عنده ولم يتعين عندنا طريق خاص في الاحتجاج بهما كان قضية حكم العقل حجية الظن المتعلق بهما مطلقا حسب ما قررناه وأما المناقشة في الأخبار الواردة في ذلك فإن كان من حيث الإسناد فهو واه جدا وكذا من جهة الدلالة إذ من البين بعد ملاحظة فهم الأصحاب وعملهم شمولها لهذا العصر ونحوه قطعا وليس جميع تلك الأخبار من قبيل الخطاب الشفاهي ليخص الحاضرين ويتوقف الشمول للباقين على قيام الإجماع ومع الغمض عن ذلك ففيما ذكرناه من الإجماع المعلوم كفاية في المقام وكيف كان فإن سلم عدم قيام الدليل القاطع من الشارع أولا على حجية الظن المتعلق بالكتاب والسنة على وجه يتم به نظام الأحكام حسبما يدعيه كما سيأتي الإشارة إليه فقضية حكم العقل هو حجية الظن المتعلق بهما من أي وجه كان على وجه ما يقتضيه الدليل المذكور والمقصود بالاحتجاج المذكور بيان هذا الأصل لا وجه للرجوع إلى شيء من سائر الظنون إذ لا ضرورة إليها ولا يقم عليها دليل خاص فإن قلت إن القدر المسلم وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة في الجملة ولا يقضي ذلك بحجية الظن الحاصل منهما مطلقا بل القدر الثابت من ذلك هو ما قام الإجماع عليه فيقتصر من الكتاب على نصوصه ومن السنة على الخبر الصحيح الذي يتعدد مزكي رجاله فلا يعم سائر وجوه الظن الحاصل من الكتاب والسنة وحينئذ نقول إنه لا يكفي الظن المذكور قلت بناء على اختيار الوجه المذكور لا نسلم قيام الدليل القاطع على حجية خصوص شيء من الأخبار كيف ومن البين أن غالب الواجد من علمائنا الرجال ليس من قبيل الشهادة حتى يقوم تعديل معدلين منهم ما قام العلم ومع ذلك فقيام الدليل القاطع على قيام شهادة الشاهدين مقام العلم في المقام محل المنع ومع الغض عنه فحجية خبر الثقة مطلقا مما لم يقم عليه دليل قطعي وإذا لم يقم عليه دليل قاطع على حجية خصوص شيء من الأخبار كان الحال على نهج واحد وكان الأمر دائرا مدار الظن حسبما قررناه ولو فرض قيام قاطع على الحجية بعض أقسامه فهو أقل قليل منها ومن البين أنه لا يكتفي به في الخروج عن عهدة ذلك التكليف ومن المعلوم كون التكليف بالرجوع إلى الكتاب والسنة يومنا هذا زائدا على القدر المفروض وبملاحظة ذلك يتم التقريب المذكور والفرق في ذلك بين نصوص الكتاب وظواهره إن كان الملحوظ فيه حصول القطع من الأول دون الثاني فهو فاسد إذ دعوى حصول القطع من النصوص مطلقا غير ظاهرة حسب ما قرره ذلك في محله وإن كان المقصود دعوى القطع بحجيتها دون الظواهر نظرا إلى حصول الاتفاق على حجية النصوص دون غيرها ففيه أنه لا فرق في ذلك بين الأمرين لقيام الاتفاق في المقامين وليس الحال في مفاد ألفاظ الكتاب كألفاظ السنة والتفصيل المذكور وإن ذهب إليه شذوذ إلا أنه موهون جدا حسبما قرر الكلام فيه في محله كيف والرجوع إلى الكتاب والسنة والتمسك بها وما قلناهما ما وردنا في الروايات يعم الأمرين كما يعلم الحال فيه من ملاحظة نظائر تلك العبارات فإن قلت إن قضية ما ذكر من وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة هو الرجوع إلى ما علم كونه كتابا وسنة وإن كان الأخذ منهما على سبيل الظن تحقيقا للموضوع كما هو قضية الأصل فلا عبرة بالكتاب الواصل إلينا على سبيل الظن حسبما أشاروا إليه في بحث الكتاب وكذا لا ينبغي أن لا تعتبر من السنة إلا ما ينقل إلينا على وجه اليقين من التواتر والمحفوف بقرينة القطع وحينئذ فلا يتم ما قرر في الاحتجاج لظهور وعدم وفاء المقطوع به منهما بالأحكام وإن كان استنباط الحكم منهما على سبيل الظن فلا بد أيضا من الرجوع إلى مطلق الظن قلت لا ريب أن السنة المقطوع بها أقل قليل وما يدل على وجوب الرجوع إلى السنة في زماننا هذا يفيد أكثر من ذلك للقطع بوجوب رجوعنا اليوم في تفاصيل الأحكام إلى الكتب الأربعة وغيرها من الكتب المعتمدة في الجملة بإجماع الفرقة واتفاق القائل بحجية مطلق الظن والظنون الخاصة فلا وجه للقول بالاقتصار على السنة المقطوعة وبذلك يتم التقريب المذكور فإن قلت لما كان حصل الوجه المذكور إرجاع الأمر بعد القطع ببقاء التكليف بالرجوع إلى الكتاب والسنة وانسداد سبيل تحصيل العلم منهما وعدم قيام دليل على تعيين طريق خاص من الطرق الظنية فالرجوع إليهما وإلى مطلق الظن الحاصل منهما كان هذا الوجه بعينه هو ما قرروه لحجية مطلق الظن فإن هذا التكليف جزئي من جزئيات التكليف التي انسد سبيل العلم بها وقضية العقل في الجميع هو الرجوع إلى الظن بعد العلم ببقاء التكليف حسبما مر فلا اختصاص إذن للظن المذكور بل يندرج على ما عرفت تحت القاعدة الكلية التي